سيادة الدنمارك على غرينلاند.. خط أحمر في مواجهة الضغوط

تحقيق استقصائي في موقف الدنمارك وغرينلاند من الاتفاق الأمريكي، يكشف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لسكان الجزيرة ومخاوفهم من فقدان السيادة والاستقلال.

سيادة الدنمارك على غرينلاند.. خط أحمر في مواجهة الضغوط
سيادة الدنمارك على غرينلاند.. خط أحمر في مواجهة الضغوط

سيادة الدنمارك على غرينلاند تحولت إلى خط أحمر في مواجهة الضغوط الأمريكية المتصاعدة، بعد أن كشفت المفاوضات الجارية عن مطالب واشنطن بتعديل الاتفاقية العسكرية الموقعة عام 1951 لضمان بقاء قواتها إلى أجل غير مسمى. وبينما تعلن كوبنهاغن تمسكها بالسيادة، يعبر سكان غرينلاند عن قلقهم من أن الاتفاق قد يكرس وضعاً استعمارياً جديداً يحد من طموحاتهم في الاستقلال.

أصوات من غرينلاند: بين القلق والأمل

في العاصمة نوك، حيث بدأت السلطات المحلية بتوزيع كتيبات حول كيفية التعامل مع الأزمات، يعيش السكان حالة من الترقب. وتقول آجا كيمنتز، إحدى عضوتي البرلمان الدنماركي عن غرينلاند: 'ما نشهده في تصريحات ترامب أمر غير مقبول تماماً. الناتو لا يملك أي تفويض للتفاوض نيابة عنا. لا شيء عنا بدوننا'. ويخشى كثيرون أن تؤدي الاتفاقية إلى ربط أيدي الجزيرة لأجيال، ويمنع أي حلم حقيقي بالاستقلال عن الدنمارك.

شهادة: يقول جوستوس هانسن، عضو برلمان غرينلاند: 'إذا حصل الأمريكيون على كل ما يريدونه، لن يكون هناك أي استقلال حقيقي أبداً'. سكان الجزيرة البالغ عددهم 57 ألف نسمة يرون أن مستقبلهم يُقرر خارج إرادتهم.

الموقف الدنماركي: سيادة اسمية ونفوذ فعلي

أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتا فريدريكسن في أكثر من مناسبة أن السيادة غير قابلة للتفاوض، وأن الناتو لا يملك تفويضاً للتفاوض باسم الدنمارك. لكن مراقبين يرون أن الاتفاق الحالي، الذي أعلنه ترامب، يمنح الولايات المتحدة سيطرة فعلية على الأمن والموارد في الجزيرة، بينما تبقى السيادة الدنماركية اسمية في كثير من الجوانب. وتصف الباحثة في معهد ستوكهولم الدولي للسلام هذا الوضع بأنه 'سيادة منقوصة' تكرس التبعية بدل الشراكة.

البعد الإنساني: مجتمع صغير في مواجهة قوى كبرى

يبلغ عدد سكان غرينلاند 57 ألف نسمة فقط، يعيش معظمهم في مدن ساحلية صغيرة تعتمد على الصيد والخدمات العامة. ويعاني المجتمع من تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، من بينها ارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب والبطالة. وفي ظل هذه الظروف، يرى سكان أن الاتفاق الأمني الجديد قد يحول دون تنويع الاقتصاد وتطوير قطاعات مثل السياحة والطاقة المتجددة، لأن الأولوية ستعطى للمصالح الأمريكية.

السياق الإقليمي والدولي للملف

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطب الشمالي تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى. وقد أعلنت الدنمارك وغرينلاند عن اقتراح بإرسال بعثة للناتو إلى المنطقة لضمان الأمن. لكن روسيا حذرت من أن أي توسع عسكري غربي في القطب الشمالي سيقابل بإجراءات مضادة. أما الصين، فتعتبر نفسها 'دولة قريبة من القطب الشمالي' وتسعى إلى تعزيز حضورها العلمي والاقتصادي هناك. وفي خضم هذا التنافس، يجد سكان غرينلاند أنفسهم في مواجهة قوى عظمى تتقاسم النفوذ على أرضهم.

ما الذي ينتظر غرينلاند؟

يشير محللون إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الاتفاق. فإما أن تتراجع واشنطن عن بعض مطالبها لتخفيف حدة المخاوف السيادية، أو أن تمضي قدماً في خطة التوسع العسكري ما قد يزيد التوتر مع كوبنهاغن ونوك. وفي كل الأحوال، فإن قضية سيادة الدنمارك على غرينلاند باتت اختباراً حقيقياً لمصداقية العلاقات عبر الأطلسية، ولحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.

المصدر: يلا نيوز نت