الدعم الإسرائيلي السري للسعودية: تحقيق في الأبعاد الخفية
تحقيق استقصائي يستكشف الأبعاد الخفية للدعم الإسرائيلي السري للسعودية، مع تسليط الضوء على الدوافع الجيوسياسية والتداعيات الإنسانية والاجتماعية لهذا التعاون غير المعلن.
الدعم الإسرائيلي السري للسعودية تحول من مجرد تكهنات إلى واقع تتناقله كبرى الصحف الإسرائيلية والأمريكية، في تطور يعكس تحولاً جوهرياً في بنية التحالفات الإقليمية. فبعد رفض واشنطن تقديم دعم عسكري مباشر للسعودية في مواجهة الحوثيين، لجأت الرياض إلى خيارات بديلة، من بينها طلب مساعدة استخباراتية من إسرائيل عبر القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم. هذه الخطوة، وإن كانت لا تزال في إطار التقارير غير المؤكدة رسمياً، تثير أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقات الخفية بين الرياض وتل أبيب.
الأبعاد الإنسانية: من يدفع ثمن هذا التقارب؟
تكشف بيانات الأمم المتحدة أن اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 20 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. ومع تصاعد العمليات العسكرية، تتعمق هذه الأزمة، إذ تتأثر طرق إيصال المساعدات الإنسانية وترتفع تكاليف الاستيراد. ووفق تقارير دولية، أدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات سفن الشحن، ما رفع كلفة التأمين وأدى إلى تأخير وصول السلع الأساسية.
شهادة خبير: الدكتور براندون فريدمان، مدير الأبحاث في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، يؤكد أن الرياض أصبحت تعتمد بشكل متزايد على واشنطن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ولديها الآن قوة عسكرية ذاتية محدودة جداً.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال الأخلاقي نفسه: هل يمكن تبرير التعاون مع إسرائيل من أجل حماية الملاحة الدولية، أم أن هذا التعاون يمنح تل أبيب نفوذاً إضافياً في المنطقة على حساب القضية الفلسطينية؟ الإجابة على هذا السؤال تختلف بين العواصم العربية، لكنها تبقى قضية شائكة في الرأي العام العربي.
الدوافع الجيوسياسية: ما الذي تريده إسرائيل؟
على المستوى الجيوسياسي، يبدو أن مساعي تقديم الدعم الإسرائيلي السري للرياض تحمل أبعاداً استراتيجية. فبينما ترفض إدارة ترامب الدعوات إلى فرض ضوابط إضافية، تسعى إسرائيل إلى صياغة معايير قد تصبح مرجعاً عالمياً. هذا السعي قد يمنح تل أبيب نفوذاً تنظيمياً يتجاوز حدودها، خصوصاً إذا تبنت دول أخرى هذه المعايير.
ويشير تقرير صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن مسؤولين إسرائيليين قالوا إنه إذا أرادت السعودية مساعدة إسرائيلية ضد الحوثيين، فإن عليها أن تغير سياستها، وهذا مرتبط بالابتعاد عن محور تركيا وباكستان، وبالعودة إلى مسار اتفاقيات إبراهام. هذا الموقف يعكس رغبة إسرائيلية في استغلال الحاجة السعودية لدفع الرياض نحو التطبيع العلني، وهو ما ترفضه الأخيرة حالياً بسبب ملف القضية الفلسطينية.
السياق الإقليمي: تحالفات متغيرة
على المستوى الإقليمي، تضع هذه التطورات السعودية أمام تحديات متعددة. فمع رفض واشنطن التدخل العسكري المباشر، لجأت الرياض إلى البحث عن خيارات بديلة، شملت طلب مساعدة من دول خليجية ومصر، إضافة إلى محادثات بوساطة سنتكوم مع إسرائيل للحصول على دعم استخباراتي. ويشير خبراء إلى أن السعودية تجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع جديد، حيث تتعرض ثلاثة مسارات أساسية لصادراتها النفطية للتهديد في الوقت نفسه.
في المقابل، تسعى إيران إلى استثمار هذه التطورات لتعزيز نفوذها عبر وكلائها، وفي مقدمتهم الحوثيون. ويحذر خبراء من أن ربط ملف الحوثيين بمصالح عدد كبير من الدول وتحويله إلى قضية دولية قد يحشد تحركاً أوسع ضد الجماعة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى عسكرة مضيق باب المندب وتحويله إلى ساحة صراع بين محاور إقليمية متعددة.
المستقبل: سيناريوهات محتملة
تشير المعطيات إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الدعم الإسرائيلي السري للرياض. الأول: تصعيد عسكري محدود تقوده السعودية بدعم استخباراتي إسرائيلي وأميركي، دون تدخل بري واسع. الثاني: تسوية سياسية تفاوضية تُبقي الحوثيين في مواقعهم لكن تضمن حرية الملاحة مقابل تنازلات اقتصادية. الثالث: استمرار الوضع الراهن مع تصاعد تدريجي للتوتر، ما قد يؤدي إلى عسكرة المضيق وتحويله إلى منطقة نفوذ عسكري دائم.
في المحصلة، يبقى الدعم الإسرائيلي السري للسعودية قضية تتجاوز الحدود اليمنية، وتتطلب استجابة جماعية تراعي البعد الإنساني إلى جانب الاعتبارات الأمنية. والنجاح في معالجة هذه الأزمة يتوقف على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز الانقسامات وبناء ثقة متبادلة.
المصدر: يلا نيوز نت