إمدادات النفط في خطر.. برنت يتجاوز 105 دولارات ومخاوف من صراع طويل

تحقيق استقصائي في أزمة إمدادات النفط العالمية بعد تجاوز برنت 105 دولارات، مع تحليل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للصراع، وتداعياته على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

إمدادات النفط في خطر.. برنت يتجاوز 105 دولارات ومخاوف من صراع طويل
إمدادات النفط في خطر.. برنت يتجاوز 105 دولارات ومخاوف من صراع طويل

تواجه إمدادات النفط العالمية أخطر تحدياتها منذ سنوات، إذ تجاوز خام برنت حاجز 105 دولارات للبرميل اليوم الخميس، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أواخر مايو الماضي. ويأتي هذا الارتفاع الحاد في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفاض حاد في الإنتاج السعودي، واستمرار القيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز. لكن خلف الأرقام، تبرز أبعاد إنسانية واجتماعية عميقة لهذا الصراع الذي يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة.

إمدادات النفط في خطر.. ماذا يحدث في مضيق هرمز؟

يُعد مضيق هرمز البوابة الرئيسية لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. واستمرت التوترات في هذا الممر الحيوي بعد أن أعلنت إيران استهداف عشر سفن قرب المضيق، رداً على إغراق الولايات المتحدة لخمس ناقلات نفط إيرانية. وحذّر الحرس الثوري الإيراني من تصعيد أكبر في حال استمرار الضربات، مما أبقى مستوى عدم اليقين مرتفعاً بشأن حركة الشحن في المنطقة.

ووفقاً لبيانات شركة كبلر، انخفضت التدفقات عبر مضيق هرمز إلى أقل من 2 مليون برميل يومياً في الآونة الأخيرة، مقارنة بنحو 8 إلى 9 ملايين برميل يومياً قبل تجدد الاشتباكات في أواخر أغسطس. كما تراجعت حركة السفن التجارية إلى أرقام أحادية في بعض الجلسات، مما يزيد من الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

الأبعاد الإنسانية للصراع.. بحارة ومدنيون في مرمى الخطر

لا يقتصر تأثير الصراع على أسواق الطاقة وحدها، بل يمتد إلى حياة المدنيين والعاملين في قطاع الشحن البحري. فقد قُتل أحد البحارة في حادثة استهدفت ناقلة قبالة دبي، بينما تعرضت عدة سفن تجارية في الخليج لضربات معطلة. كما تعرضت ناقلة تحمل نحو 2 مليون برميل من زيت الوقود العراقي لهجوم بطائرة مسيرة في المياه الإقليمية العراقية.

وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن استمرار الصراع يهدد حياة آلاف البحارة الذين يعملون في خطوط الملاحة البحرية بالمنطقة، فضلاً عن تأثيره على المجتمعات الساحلية التي تعتمد على النشاط البحري كمصدر رئيسي للرزق. وفي هذا السياق، يرى محللون أن الأبعاد الإنسانية للصراع غالباً ما تغيب عن التغطية الاقتصادية، رغم أنها تشكل جوهر الأزمة.

انخفاض الإنتاج السعودي.. تأثير عميق على الأسواق

أبلغت السعودية منظمة أوبك أن إنتاجها من الخام انخفض إلى 6.238 مليون برميل يومياً في أغسطس، وهو أدنى مستوى منذ عام 1990. ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً بنسبة 23% عن مستويات يوليو، ويعكس جزئياً تعرض مسارات التصدير البديلة في البحر الأحمر للخطر، خاصة ميناء ينبع الذي شهد تراجع صادراته إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر.

وتشير بيانات شركة كبلر إلى أن صادرات ينبع بلغت 1.429 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقابل متوسط 3.9 مليون برميل يومياً في الأشهر الثلاثة السابقة. كما ارتفعت صادرات ميناء سيدي كرير المصري إلى 2.139 مليون برميل يومياً في أغسطس، أي أكثر من ضعف أحجام يونيو، مما يعكس تحويل جزء من التدفقات النفطية إلى مسارات بديلة.

توقعات أسعار النفط.. بين ارتفاع المخاطر وتراجع الطلب

يرى بنك باركليز أن المخاطر تميل بوضوح نحو الاتجاه الصعودي، مشيراً إلى أن المخزونات العالمية تعاني عجزاً يتراوح بين 6 و8 ملايين برميل يومياً، مع اقتراب المخزونات الأمريكية من أدنى مستوياتها منذ عام 2020. وقد أبقى البنك على توقعاته لمتوسط سعر خام برنت لعام 2026 عند 100 دولار للبرميل، لكنه أقر بأن الظروف الراهنة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى من التقديرات الأولية.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن الطلب الصيني سيكون العامل الحاسم في تحديد مسار الأسعار. فالصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، كثفت مشترياتها في الأسابيع الأخيرة بعد أشهر من الطلب الضعيف. وإذا استمر هذا التعافي، فقد يضاعف أثر أي نقص في الإمدادات ويدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. لكن إذا تراجع الطلب الصيني مجدداً، فقد يحد ذلك من صعود الأسعار.

وقد خفضت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي في 2026 إلى 600 ألف برميل يومياً، وهو ما يعكس التأثير السلبي لتوترات التجارة العالمية وارتفاع أسعار الطاقة على الاستهلاك العالمي. غير أن خبراء يرون أن الطلب لا يزال متيناً نسبياً، وأن أي ضعف في الاستخدامات الصناعية قد يتعافى سريعاً إذا عادت الإمدادات إلى معدلاتها الطبيعية.

الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية

لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على أسواق الطاقة وحدها. فقد أدى الصعود الحاد إلى ارتفاع عوائد السندات الألمانية إلى أعلى مستوياتها منذ أبريل 2011، بينما تراجعت أسعار المعادن الصناعية مثل النحاس والفضة. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي والديزل، مما يزيد من مخاوف عودة التضخم المرتبط بالطاقة.

ويشير المحللون إلى أن استمرار انقطاع الإمدادات لفترة طويلة قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مواجهة ضغوط تضخمية جديدة، في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية تحاول الموازنة بين دعم النمو وكبح الأسعار. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يضغط على الدول المستوردة، خاصة في الأسواق الناشئة، مما يزيد من مخاطر تباطؤ النمو العالمي وتعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.

الخلاصة

تظل إمدادات النفط العالمية عرضة لمخاطر متزايدة مع استمرار الصراع في الشرق الأوسط. وبينما تتركز الأنظار على الأرقام والأسعار، تبقى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لهذه الأزمة جزءاً لا يتجزأ من الصورة الكاملة. ويبقى السؤال: إلى متى يمكن للعالم أن يتحمل تداعيات صراع يهدد ليس فقط أسواق الطاقة، بل حياة الملايين في المنطقة والعالم؟

المصدر: دي بي آي نيوز (DBInews)