أزمة سلاسل الإمداد العسكرية تتفاقم مع استمرار الحرب على إيران

تحقيق استقصائي يكشف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لأزمة سلاسل الإمداد العسكرية الأمريكية خلال الحرب على إيران، من استنزاف الذخائر إلى الضغط على الجنود وسباق تسريع الإنتاج.

أزمة سلاسل الإمداد العسكرية تتفاقم مع استمرار الحرب على إيران
أزمة سلاسل الإمداد العسكرية تتفاقم مع استمرار الحرب على إيران

خلف الأرقام الصادمة عن تكلفة الحرب على إيران، التي بلغت 33.4 مليار دولار حتى 30 يونيو، تختبئ قصة أكثر تعقيداً وإيلاماً. إنها قصة أزمة سلاسل الإمداد العسكرية التي لم تقتصر تداعياتها على المخزونات والميزانيات، بل امتدت لتطال معنويات القوات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، وحياة عائلاتها، وقدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في مناطق أخرى من العالم.

يقول مسؤولون أمريكيون كبار، تحدثوا لصحيفة نيويورك تايمز، إن استنزاف مخزونات الأسلحة وصل إلى مستويات مقلقة أدت إلى سحب الذخائر المخصصة لآسيا وأوروبا. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء لوجستي، بل كان له تأثير مباشر على الجنود. إذ انتشرت تقارير عن انخفاض الروح المعنوية بين القوات المتمركزة في الشرق الأوسط، وهي قوات وجدت نفسها في مواجهة حرب طويلة ومكلفة، دون أن يكون لديها وضوح حول نهايتها.

أبعاد إنسانية: أكثر من 20 ألف عسكري ودبلوماسي أمريكي نُقلوا من مواقعهم. تقييمات طبية أجريت ميدانياً عبر سيارات إسعاف محلية بسبب نقل قدرات الإجلاء الجوي. القوات في كوريا الجنوبية باتت "أكثر عرضة للخطر" وفقاً لمسؤولين أمريكيين.

استنزاف الذخائر الأمريكية وتداعياته على الجاهزية

التحذيرات لم تتوقف عند حد انخفاض المعنويات. مسؤولون قالوا إن القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية باتت "أكثر عرضة للخطر" في حال اندلاع حرب مع كوريا الشمالية، لأن قيادة المحيطين الهندي والهادي أصبحت مصدراً رئيسياً للذخائر المستخدمة في الحرب على إيران. هذا التحول في مسارات الإمداد يعني أن واشنطن اضطرت إلى نقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط بشكل عاجل، تاركة فجوات في مناطق حيوية.

التقرير الصادر عن مكتب المفتش العام يكشف أيضاً أن الحرب مع إيران أسفرت عن نقص في الذخائر واختناقات في سلاسل الإمداد. ولتخفيف هذه القيود، تعمل الوزارة على "تبسيط عمليات الشراء وتقليص مهل الإنتاج، وتكديس المواد والمكونات الحيوية والذخائر المختارة للاستجابة السريعة لأي طارئ". لكن هذه الإجراءات، بحسب خبراء، تحتاج وقتاً طويلاً لتحقيق نتائج ملموسة.

تسريع الإنتاج الدفاعي بين الضرورة والمخاطر

في محاولة لمعالجة الأزمة، وجه البنتاغون شركات الدفاع لتسريع إنتاج الأسلحة والذخائر. نائب وزير الحرب ستيف فاينبرغ منح الشركات مهلة 21 يوماً لتقديم خطط عاجلة لتسريع التسليم وزيادة الإنتاج. ويقول فاينبرغ في مذكرته إن دورات الإنتاج التي تستغرق سنوات "غير مقبولة". لكن هذا التسريع يثير مخاوف خبراء من أنه قد يأتي على حساب الجودة أو السلامة، أو قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على سلاسل التوريد التي تعاني أصلاً من اختناقات.

اتفاقيات الإطار التي أبرمها البنتاغون مع كبرى شركات الدفاع تشمل استثمارات بمئات الملايين من الدولارات. هانيويل أيروسبيس ستستثمر ما يصل إلى 500 مليون دولار على مدى عدة سنوات لسد النقص في سلاسل التوريد الدقيقة. BAE Systems ولوكهيد مارتن ستعملان على مضاعفة إنتاج أنظمة التوجيه لصواريخ ثاد أربعة أضعاف. هذه الاستثمارات تعكس إدراكاً أمريكياً بأن الأزمة ليست آنية، بل بنيوية وتحتاج إلى حلول طويلة الأمد.

تأثير الحرب على الجنود والاقتصاد الأمريكي

البعد الإنساني للأزمة لا يقتصر على الجنود. فالتقرير يشير إلى أن غالبية التقييمات الطبية للقوات المصابة أُجريت على الأرض، بعضها عبر سيارات إسعاف محلية، ونُقل المرضى إلى مرافق علاجية محلية لأن قدرات الإجلاء الجوي نُقلت بسبب مخاوف أمنية. هذا يعني أن الجنود المصابين لم يحصلوا على نفس مستوى الرعاية الطبية الذي كان يمكن توفيره في الظروف العادية.

على الصعيد الاقتصادي، يتوقع حيدر علي حسين مليك، الموظف السابق في مكتب المفتش العام بالبنتاغون، أن الولايات المتحدة "ستظل تتحمل تكاليف ضخمة حتى لو وقع الرئيس ترامب اتفاق سلام مع إيران". ويقول إن إنفاق أمريكا على تلك الحرب "سيستمر لفترة أطول بكثير من القتال الميداني". تقديرات أخرى، مثل تلك الصادرة عن مؤسسة موديز أناليتكس، تشير إلى أن الحرب كلفت المستهلكين ودافعي الضرائب الأمريكيين نحو 132 مليار دولار حتى الآن.

الاقتصاد الأمريكي والحرب وسباق مع الزمن

المعضلة الأكبر التي تواجه واشنطن هي أن الحرب على إيران لم تنتهِ فعلياً، حتى لو توقف القتال الميداني. إعادة بناء مخزونات الذخائر، وإصلاح القواعد المتضررة، واستبدال الطائرات المدمرة، وتعويض الخسائر البشرية، كلها بنود ستستمر لسنوات. وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة تحديات استراتيجية في مناطق أخرى، حيث يتطلب الردع الأمريكي وجوداً عسكرياً قوياً ومستداماً.

السيناتور كريس مورفي يلخص المشكلة بقوله إن إعادة بناء مخزونات بعض الذخائر ستستغرق "سنوات". هذا يعني أن واشنطن قد تجد نفسها في موقف صعب إذا اندلعت أزمة أخرى في تايوان أو كوريا أو أوروبا الشرقية. فالقدرة الأمريكية على الردع لم تعد مضمونة كما كانت قبل الحرب، وهذا بحد ذاته قد يكون أغلى من 33.4 مليار دولار التي أنفقتها واشنطن حتى الآن.

المصدر: يلا نيوز نت